في الوقت الذي يرفع اردوغان “لواء الدفاع عن السنة” و “حقوق الانسان” في سوريا والعراق والدول الاخرى، ويرسل جيشه، لاحتلال مناطق من هذه الدول ويرفض الخروج منها بذريعة “حماية” من جاء للدفاع عنهم ضد “الحكومات الاستبداية” و “سياساتهم الطائفية والعنصرية” ، فاذا بمصادر الامم المتحدة تؤكد وبالارقام والوثائق الدامغة، ان اردوغان من اكثر زعماء المنطقة عنصرية واستبدادا ودموية وفتكا، وبعيد كل البعد عن القيم الانسانية والاسلامية.
كان واضحا منذ البداية ان الهدف الأول والأخير من دخول تركيا عسكريا الى سوريا، هو ضرب الأكراد وإقامة منطقة عازلة لتكون بداية لتقسيم سوريا، وان كل ما قيل عن استهداف “داعش” من قبل تركيا، لم يكن الا ذرّاً للرماد في العيون.
يصل الرئيس التركي رجب أردوغان إلى موسكو وقد تغيّرت مهمته، من التحريض على إيران وتبرير تراجعه عن روزنامة والتزامات أستانة وطلب إمهاله ريثما تتبلور المواقف الأميركية، والدعوة لتفضيله على الإيرانيين في المعاملة الروسية، فصار في وضعية الضعيف، بعدما ظن أنه في وضعية القوي.
روت شخصيّة سياسية عادت من روسيا بعد لقاءات هامّة ونقاشات مستفيضة أجرتها مع مسؤولين كبار، بأن الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين عاكف بصورة جذريّة لا لبس فيها على التسريع في الحسمين في سوريا، الحسم الميدانيّ استكمالاً لما حصل في تدمر والحسم السياسيّ استكمالا لما بدأ به في الأستانة مرتين وينتظر ان يستكمل في جنيف للبلوغ نحو مرحلة جديدة في سوريا ومنها إلى المنطقة كلّها.
فتح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان امس الاول النار على المانيا، واتهم حكومتها بدعم الارهاب، وايواء ارهابيين، وقال ان الصحافي الالماني المعتقل في تركيا دينيز يوجل مراسل صحيفة “دي فيليت” “ارهابي” ويعمل جاسوسا لالمانيا في تركيا.
تشهد العلاقة بين تركيا وألمانيا توتراً يتخطى حدود البلدين، حيث تسعى ألمانيا للضغط على تركيا فيما يخص ملف الهجرة وذلك إنطلاقاً من سعيها للدفاع عن الأمن القومي الأوروبي الذي بات يهدده ملف المهاجرين غير الشرعيين. من جهةٍ أخرى، تسعى ألمانيا لإيصال رسالة واضحة لأنقرة، مفادها أن العلاقات التركية الأوروبية يجب أن تراعي المصالح الأوروبية، وليس المصالح الروسية أو التركية الخاصة. فماذا في زيارة ميركل لتونس ومصر؟ ولماذا التصعيد التركي؟ وما هي أهم دلالات ذلك؟
يرى الكثير من المحللين أن ثنائي تيريزا ماي وترامب يشبه الى حد كبير ثنائي مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان في عقد الثمانينات. كما يتشابه استفتاء بريكست مع انتخاب ترامب باعتبارهما ظاهرتين سياسيتين انتصرت فيهما النزعة الشعوبية؛ فهل يمكن اعتبار أن البلدين سيكونان حليفين قويين لأحدهما الآخر؟
كنا من بين القلة من السياسيين والكتاب الذين استهجنوا التصريحات الهجومية التي ادلى بها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ووزير خارجيته مولود جاويش اوغلو، واتهم فيها ايران بالعمل على تقسيم سورية والعراق وتشييعهما، وتتصرف من منطلقات قومية فارسية، وتتبنى سياسات تؤدي الى زعزعة استقرار المنطقة، ليس حبا بإيران بقدر ما هو حرصا على مصداقية تركيا ومصالحها، وتوقعنا ان يتراجع الاثنان عن هذه التصريحات خاصة بعد الإنذار الإيراني شديد اللهجة الذي ورد على لسان السيد محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، وقياسا على تجارب سابقة، وقراءة متعمقة للمواقف الرسمية التركية في السنوات الست الماضية.
يبدو أن خطط الرئيس الأمريكية، ترامب ضد إيران دفعت بعض القوى الإقليمية وخصوم إيران الى التحرك من أجل تغيير المعادلة الإقليمية لصالحهم. وفي ظل الظرف الحالية تسعى تركيا الى فتح صفحة جديدة مع السعودية والكيان الصهيوني، لعلها تتمكن من تحويل خسارتها الى ربح. وخلال العقود الثلاثة الماضية، لم تستسلم إيران مقابل أمريكا، ورغم جميع المشاكل التي واجهتها، استطاعت إيران أن تفرض نفسها كمحور للمنطقة.
تطوّر مهمّ في ملف الشمال السوري بدأت ملامحه بالارتسام. التعقيدات الهائلة التي ينطوي عليها المشهد الميداني، بدءاً من أرياف حلب، وصولاً إلى أقصى الشمال الشرقي في ريف الحسكة على موعدٍ مع تداخلاتٍ إضافيّة عنوانها وفود لاعب جديد إلى المشهد، إضافة إلى «صراع نفوذ خليجي» يشق طريقه إلى «قوّات سوريا الديموقراطيّة». عوامل الصراع كثيرة، منها ما يتّصل بالمشهد الإقليمي بعمومه، ومنها ما يُمثّله سيناريو «التقسيم» من تربة صالحة لمطامع مستقبليّة.
صفحة  من 23