إذا اعتبرنا تركيا ودعمها الكامل للجماعات الإرهابية، وفتح حدودها أمام هذه الجماعات، أهم العوامل المؤثرة في اتخاذ الأزمة السورية طابعاً استنزافياً، والحفاظ على قدرة هذه المجموعات على القتال، فينبغي اعتبار الدخول العسكري الروسي في ساحة المعركة السورية، إلي جانب محور المقاومة، العامل الأكثر تأثيراً في عملية مكافحة الجماعات الإرهابية في سوريا.

إذا اعتبرنا تركيا ودعمها الكامل للجماعات الإرهابية، وفتح حدودها أمام هذه الجماعات، أهم العوامل المؤثرة في اتخاذ الأزمة السورية طابعاً استنزافياً، والحفاظ على قدرة هذه المجموعات على القتال، فينبغي اعتبار الدخول العسكري الروسي في ساحة المعركة السورية، إلي جانب محور المقاومة، العامل الأكثر تأثيراً في عملية مكافحة الجماعات الإرهابية في سوريا.
لقد اتضح حالياً وبوضوح تام، أن قرار روسيا للتواجد العسكري المباشر في سوريا، والذي اتخذ في أوائل سبتمبر الماضي، كان له تأثيرٌ كبير على التوازن بين الأطراف المتنازعة في سوريا، ويمكن اعتبار هذا الإجراء الروسي، مكمِّلاً لقرار "حزب الله" اللبناني للحضور إلي جانب الجيش والقوات المسلحة السورية، في المعركة ضد الإرهاب التكفيري في هذا البلد. وكانت العديد من التقارير الاستخباراتية والأمنية للدول الغربية والعربية، قد أجمعت علي أن الجيش والقوات المسلحة السورية، ستفقد بعد أربعة أشهر تماسكها وقوتها، ومع انهيار الجهاز العسكري في هذا البلد، يجب أن نشهد سقوط النظام في سوريا. ولكن الأمر الذي منع وقوع هذا الحدث، وأدي إلي استمرار حضور الجيش السوري في ساحات المعركة، ومواصلة حربه ضد الإرهاب، وتحقيقه لانتصارات عظيمة، يمكن الإشارة إليه فيما يلي:
- اتخاذ تكتيكات ميدانية متناسبة مع الظروف الخاصة السائدة في كل جبهة من جبهات القتال.
- التخطيط العملياتي والعسكري الدقيق والمنسَّق.
- المعرفة التفصيلية عن حالة جبهات القتال، وآخر التطورات في الميدان.
- التنسيق العملياتي بين القوات المسلحة (الجوية - البرية) للجيش.
- سيادة ثقافة التفاني والتضحية من أجل الوطن.
- الالتفاف حول النظام.
- فهم وإدراك الطبيعة الحقيقية للأزمة السورية بشكل كامل.
كل هذه العوامل، بالإضافة إلى سيادة ثقافة التعبئة والتي أدت بعد تشكيل مجموعات الدفاع الشعبية، وانضمامها إلى قوات الجيش السوري، إلي زيادة الروح المعنوية لدي الجيش السوري. كما لعب الدعم الشعبي والرسمي الكامل للقوات المسلحة دوراً حاسماً في هذا المجال، حيث لم يرَ الشعب السوري وخلال الأزمة في هذا البلد، قواته المسلحة منفصلةً أو أجنبيةً عنه، وقدّم لها كل الدعم والرعاية في كل اللحظات والمهام.
هذه العوامل مجتمعةً، أدت بالمؤسسة العسكرية السورية، وخلال السنوات الخمس من عمر الأزمة الدولية المفروضة على هذا البلد، بأن لا تتخلي لحظةً عن مكافحة الجماعات الإرهابية، وفي هذه الأثناء فمن الطبيعي أن نشهد خلال هذه الفترة ونظراً للطابع الاستنزافي الذي ساد هذه الأزمة، بعض الإخفاقات والانسحابات والإحباطات، من قبل هذه القوات في بعض الجبهات العملياتية.
وهكذا يجب أن نعتبر أن الدخول العسكري الروسي في ساحة المعركة السورية، يمثّل نقطة تحول في أزمة هذا البلد المستمرة منذ خمس سنوات. ومن أهم الأسباب لدي موسكو لدعم دمشق والدخول في المعارك السورية، كان الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط، منع انتشار الإرهاب والتطرف في المنطقة وانتقال ذلك إلى حدود روسيا، منع المزيد من التأثير الغربي في الشرق الأوسط وخصوصاً تكرار السيناريو الليبي، الحفاظ على علاقات روسيا التقليدية والوثيقة مع الحكومة السورية، وحماية مصالح روسيا السياسية والاقتصادية والعسكرية في سوريا (وخاصةً الحفاظ على قاعدة طرطوس العسكرية).
انعكاس العمليات العسكرية الروسية في سوريا، ظهرت في وقت قريب جداً وفي عدة جبهات في هذا البلد، وخصوصاً في جبهتي ريف حلب الشمالي وريف اللاذقية الشمالي، وهو الأمر الذي ضاعف المخاوف الغربية من هذا الحضور. فهذه العملية فضحت من ناحية التحالفَ الذي تقوده أمريكا لمحاربة داعش، وأثارت من ناحية أخرى غضب تلك الدول الإقليمية التي تريد إسقاط النظام في سوريا، وتخلّي "بشار الأسد"، الرئيس المنتخب في هذا البلد عن السلطة.
ولهذا الغرض، اعتبرت بعض الدول الغربية وأمريكا الحضور العسكري الروسي تدخلاً، واصفةً تصرفات الكرملين بالاستفزازية. كما أن الدول الرجعية في المنطقة وخاصةً السعودية، قد زادت من مساعداتها المالية والعسكرية للإرهابيين، لإفشال عمليات الروس، وبالتوازي مع ذلك، صعَّدت أمريكا والغرب ضغوطها على موسكو لوقف ضرباتها الجوية في سوريا، وإنهاء وجودها العسكري المباشر في المعارك الميدانية.
دراسة التطورات الميدانية لأهم الجبهات العملياتية في سوريا، قبل وبعد بدء العمليات العسكرية الروسية في هذا البلد، تكشف أكثر فأكثر أسباب قلق الدول الغربية والأنظمة العربية الرجعية من هذا الحضور. فجبهة حلب وكما يؤكد المتابعون والخبراء في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، تُعتبر أهم جبهات القتال في سوريا، بحيث أن أصغر تغيير في المعادلات الميدانية لهذه الجبهة، سوف يؤثر علي الأزمة السورية بكل أبعادها.
والجيش والقوات المسلحة السورية ومع فهم هذه الحساسية، ركزت جزءاً كبيراً من عملياتها العسكرية على هذه الجبهة، وهي إذ تسجّل تقدماً ملحوظاً في مختلف المحاور العملياتية في ريف حلب، بما في ذلك الريف الجنوبي، الريف الشرقي والريف الشمالي، حرَّرت مناطق هامة، بحيث شاهدنا في هذا الصدد تحرير مطار "كويرس" العسكري في الريف الشرقي، وكسر الحصار عن بلدتي نبل والزهراء في الريف الشمالي لحلب.
وفي ريف حلب الشمالي، الجيش والقوات المسلحة السورية بالإضافة إلى تحرير بلدتي نبل والزهراء، والذي يعتبر تحولاً إستراتيجياً في هذا المحور، حرَّرت بلدتي ماير ورتيان، لأخذ زمام المبادرة في هذه الجبهة. وفي هذا الصدد، حاصر الجيش السوري وبمساعدة من سلاح الجو الروسي، ريف حلب الشمالي، لقطع الطرق الرئيسية لإمداد الجماعات الإرهابية المتمركزة في شرق مدينة حلب إلى الحدود التركية.
المصدر: اسبوعية السبيل